عملة البانكور، حلم كينز الذي اغتاله الدولار
الخلفية التاريخية (١٩١٤ - ١٩٤٤)
بعد الحرب العالمية الاولى شهدت التجارة الدولية فوضى غير مسبوقة، وكان سبب هذه الفوضى هو ان اغلب الدول الاوروبية اضطرت لطبع نقود بدون ان يقابلها شيء من الغطاء الذهبي لتمويل تكاليف الحرب، تسببت هذه السياسة بانهيار الثقة بعدة عملات كان لها ثقلها في السوق العالمية مثل المارك الالماني والروبل الروسي القيصري والفرنك الفرنسي وغيرها من عملات الدول المشاركة في الحرب، وادى فقدان الثقة هذا بعدم وجود عملة تبادل تجاري، لانه وبكل بساطة لم يعد هناك ثقة متبادلة بين اطراف التبادلات التجارية مما ادى الى ركود حركة التجارة الدولية منذ وقت الحرب العالمية الاولى حتى الحرب العالمية الثانية.
اجتماع بريتن وودز (١٩٤٤)
في عام ١٩٤٤ خلال الحرب العالمية الثانية حدث واحد من أهم واكثر الاجتماعات تأثيرًا على شكل الاقتصاد العالمي الذي نعيشه حاليًا، اجتمع مبعوثون من ٤٤ دولة ليحددوا مصير النظام النقدي في العالم ويناقشوا وضع الديون السيادية على دول اوروبا للولايات المتحدة فيما عرف لاحقًا بخطة مارشال، ولكن تركيزنا هنا سيكون على النقطة الثانية للاجتماع وهي محاولة حل مشكلة ركود حركة التجارة الدولية، ومثل ماذكرنا مسبقًا ان المشكلة كان سببها الاساسي هو فقدان الثقة بالعملات الورقية بسبب الطباعة المفرطة في فترة الحرب، لذلك كان احد اهم مهام هذا الاجتماع هو تقديم عملة لتكون هي عملة التجارة الدولية.
جون ماينارد كينز vs هاري دكستر وايت
كينز والبانكور
قدم الاقتصادي الشهير ومبعوث المملكة المتحدة جون ماينارد كينز فكرة جديده وهي إيجاد عملة جديدة تكون متداولة بين الدول والبنوك المركزية فقط، وتستخدم كوحدة حساب دولية لتحديد المديونية والحقوق الجارية لكل دولة، وهنا اقترح كينز انشاء مؤسسة عالمية جديدة اسمها اتحاد المقاصة الدولي - International Clearing Union ولكي اقرب لكم الصورة اكثر تخيل معي صندوق النقد الدولي وحقوق السحب الخاصة، هكذا كانت فكرة كينز مع اتحاد المقاصة الدولي والبانكور، بحيث ان كل دولة يكون لها حساب في اتحاد المقاصة بعملة البانكور وتبدأ تتعامل مع بقية الدول بهذه العملة وباستخدام هذا الحساب، بحيث انها اذا قامت بتصدير سلعها لدولة اخرى يضاف لرصيدها في اتحاد المقاصة والعكس صحيح، وقام بإضافة لمسة ذكية وهي ان كل دولة يكون لها حد اقصى وحد ادنى في حسابها لدى اتحاد المقاصة ويسمح لها بتجاوزه ٥٠٪ صعودًا او نزولاً، بحيث لو نفترض ان بريطانيا مثلاً كان لديها حد اقصى ١٠٠٠ بانكور وتجاوزت هذا الحد بـ٦٠٠ بانكور مثلاً، هنا يطلب منها الاتحاد احد ثلاثة امور
١ ~ زيادة الاستيراد
٢ ~ رفع سعر صرف عملتها
٣ ~ تدفع ضريبة فائض
طبعًا كينز اختار انه يضيف هذه الاضافة الذكية لكي يضمن وجود توازن متبادل وعادل في التجارة الدولية، وتقليل الحاجة لتراكم الاحتياطيات.
ونفس الشي ان كان لديها عجز في الحساب يحق لاتحاد المقاصة ان يفعل عدة امور
١ ~ دعمها مؤقتًا بقرض بعملة البانكور
٢ ~ اجبارها على اتخاذ سياسات تقلل من اعتمادها على الاستيراد "مثل خفض قيمة العملة او رفع التعريفات الجمركية"
بعد ان اخذنا نظرة سريعة على فكرة كينز العبقرية نظريًا نرجع للواقع المرير وهو ان المملكة المتحدة وقت الاجتماع لم يكن لديها ادنى ذرة من القوة السياسية او الاقتصادية، وليس فقط بريطانيا بل كل دول اوروبا بسبب الحرب العالمية الثانية التي جعلتهم يقترضون المليارات من الولايات المتحدة الامريكية مما تركهم معلقين في قبضة يدها، لذلك كانت الولايات المتحدة هي التي تقرر النظام الذي يعجبها ويتماشى مع مصالحها، خاصة انها وقتها اعلنت عن خطة مارشال والتي كان هدفها اعفاء دول اوروبا من كمية كبيرة من الديون ومحاولة اعادة اعمار اوروبا.
وايت والدولار
هنا نأتي للطرف الاخر من الطاولة، خطة الاقتصادي الشهير هاري دكستر وايت والذي كان يشغل وقتها منصب نائب وزير الخزانة في حكومة روزفلت وكان قائد الوفد الامريكي في بريتن وودز.
قدم وقتها وايت خطته وهي باختصار شديد
استخدام الدولار الامريكي كعملة مركزية موحدة وربط باقي عملات العالم به "مع وجود حد تذبذب ١٪ وقد يتم زيادة ان كان الوضع الاقتصادي للدولة يتطلب ذلك"، ويكون الدولار مربوطًا بالذهب بسعر ثابت وهو ٣٥ دولار للاونصة، يعني باختصار دول العالم تحتفظ بالدولار الامريكي في احتياطياتها واستخدامه في تعاملاتها الدولية، وفي حال ارادت الدولة ان تستبدل الدولار بالذهب فتذهب للولايات المتحدة وتعطيها الدولار وتأخذ ذهبها بسعر الصرف المتفق عليه.
وايضًا تضمنت خطة وايت انشاء صندوق النقد الدولي - IMF لدعم استقرار اسعار الصرف ومنع حدوث الازمات، وايضًا تضمنت انشاء البنك الدولي.
طبعًا مايحتاج اقول لكم ان العالم وافق على خطة الولايات المتحدة على مضض، ومع ان العديد من الاقتصاديين كانوا يدعمون خطة كينز ومشروع البانكور الا ان القوي هو الذي يحدد مصير الضعفاء، وبدأ منذ ذلك الوقت عصر هيمنة الدولار الامريكي 💵
صدمة نيكسون وانهيار اتفاق بريتين وودز (١٩٧١)
في عام ١٩٧١ وبالتحديد يوم الاحد الخامس عشر من شهر اغسطس، ظهر رئيس الولايات المتحدة ريتشارد نيكسون على شاشات التلفاز لينقل احد اكثر الاخبار صدمة وتأثيرًا على النظام المالي العالمي.
وقال نيكسون (لقد وصيت الوزير كونالي "وزير المالية" بوقف العمل بنظام تحويل الدولار للذهب مؤقتًا "كذاب")
طيب كيف وصلنا هنا وليه رئيس امريكا يطلع عالتلفزيون ويقول هالكلام، هل كانت مفاجأة لم يتوقعها احد ؟ تقريبًا لا، كثير كانوا يتوقعون حدوث هذا الشي ولكن ليس بهذه السرعة !! لنشرح التداعيات التي اوصلتنا لصدمة نيكسون منذ بريتين وودز حتى ١٩٧١
بعد الحرب العالمية الثانية بدأت ماتسمى بالحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وبعدها بعشرون عام تقريبًا دخلت الولايات المتحدة في حرب ضروس في فيتنام"المدعومة من الاتحاد السوفييتي" وكان الصرف على هذه الحرب هائل لدرجة لاتتصورها، مما اضطر الولايات المتحدة لطباعة دولارات بدون وجود غطاء ذهبي يقابلها، طبعًا العديد من الدول مثل فرنسا شمت رائحة المكيدة التي تكيدها الولايات المتحدة وقامت باسترداد مخزونها من الذهب مقابل الدولار وطبعًا هذي الحركة من فرنسا جعلت باقي الدول يقومون بتقليدها، ومثل ماقلنا ان امريكا طبعت ما لاتملك مقابله من الذهب، مما يعني ان هناك نقطة سيصلون لها تكون فيه خزائن الذهب في الولايات المتحدة فارغ بالكامل ولايزال هناك دولارات في الخارج يطالب اصحابها بحقهم من الذهب بموجب اتفاق بريتن وودز !!! هنا اشتغل انذار الخطر لدى الولايات المتحدة وخرج وقتها نيكسون بتصريحه الشهير.
ماذا لو استخدمنا البانكور ؟
سؤال سيبقى يتكرر في ذهن كل اقتصادي بعد ما رأيناه من هيمنة وطغيان الولايات المتحدة بدولارها الذي قال فيه كونالي وزير مالية نيكسون عندما غضب منه المسؤولين الاوروبيين بعد فك الارتباط بالذهب وقال لهم بالحرف الواحد "Our Dollar Your Problem”







مقال رائع
من بدأت اقرأ في صفحتك وانا الاقي كل مواضيعك تجذبني لنهايه
عندك كتاب تنصح فيه للمبتدئين في المجال المالي؟